الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

150

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ في سورة الأعراف [ 96 ] . واللام في قوله : لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ إلخ مثل اللام في الآية قبلها . مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ . إنصاف لفريق منهم بعد أن جرت تلك المذامّ على أكثرهم . والمقصد يطلق على المطيع ، أي غير مسرف بارتكاب الذنوب ، واقف عند حدود كتابهم ، لأنّه يقتصد في سرف نفسه ، ودليل ذلك مقابلته بقوله في الشقّ الآخر ساءَ ما يَعْمَلُونَ . وقد علم من اصطلاح القرآن التعبير بالإسراف عن الاسترسال في الذنوب ، قال تعالى : قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ [ الزمر : 53 ] ، ولذلك يقابل بالاقتصاد ، أي الحذر من الذنوب ، واختير المقتصد لأنّ المطيعين منهم قبل الإسلام كانوا غير بالغين غاية الطاعة ، كقوله تعالى : فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ [ فاطر : 32 ] . فالمراد هنا تقسيم أهل الكتاب قبل الإسلام لأنّهم بعد الإسلام قسمان سيّئ العمل ، وهو من لم يسلم ؛ وسابق في الخيرات ، وهم الّذين أسلموا مثل عبد اللّه بن سلام ومخيريق . وقيل : المراد بالمقتصد غير المفرطين في بغض المسلمين ، وهم الّذين لا آمنوا معهم ولا آذوهم ، وضدّهم هم المسيئون بأعمالهم للمسلمين مثل كعب بن الأشرف . فالأوّلون بغضهم قلبي ، والآخرون بغضهم بالقلب والعمل السيّئ . ويطلق المقتصد على المعتدل في الأمر ، لأنّه مشتقّ من القصد ، وهو الاعتدال وعدم الإفراط . والمعنى مقتصدة في المخالفة والتنكّر للمسلمين المأخوذ من قوله : وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً [ المائدة : 68 ] . والأظهر أن يكون قوله : ساءَ فعلا بمعنى كان سيّئا ، و ما يَعْمَلُونَ فاعله ، كما قدّره ابن عطية . وجعله في « الكشاف » بمعنى بئس ، فقدّر قولا محذوفا ليصحّ الإخبار به عن قوله : وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ، بناء على التزام عدم صحّة عطف الإنشاء على الإخبار ، وهو محلّ جدال ، ويكون ما يَعْمَلُونَ مخصوصا بالذمّ ، والّذي دعاه إلى ذلك أنّه رأى حمله على معنى إنشاء الذمّ أبلغ في ذمّهم ، أي يقول فيهم ذلك كل قائل . [ 67 ] [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 67 ] يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ ( 67 )